الغزالي

387

إحياء علوم الدين

ولو نقص منهم واحد مع الإمكان غرم نصيب ذلك الواحد ، فان عشر عليه ذلك لقلة الواجب فليتشارك جماعة ممن عليهم الزكاة ، وليخلط مال نفسه بما لهم ، وليجمع المستحقين ، وليسلم إليهم حتى يتساهموا فيه فإن ذلك لا بد منه بيان دقائق الآداب الباطنة في الزكاة اعلم أن على مريد طريق الآخرة بزكاته وظائف الوظيفة الأولى : فهم وجوب الزكاة ومعناها ، ووجه الامتحان فيها ، وأنها لم جعلت من مباني الإسلام مع أنها تصرف مالي وليست من عبادة الأبدان : وفيه ثلاثة معان الأول : أن التلفظ بكلمتي الشهادة التزام للتوحيد ، وشهادة بافراد المعبود ، وشرط تمام الوفاء به أن لا يبقى للموحد محبوب سوى الواحد الفرد ، فان المحبة لا تقبل الشركة ، والتوحيد باللسان قليل الجدوى ، وإنما يمتحن به درجة المحب بمفارقة المحبوب ، والأموال محبوبة عند الخلائق لأنها آلة تمتعهم بالدنيا وبسببها يأنسون بهذا العالم وينفرون عن الموت مع أن فيه لقاء المحبوب ، فامتحنوا بتصديق دعواهم في المحبوب ، واستنزلوا عن المال الذي هو مرموقهم ومعشوقهم ، ولذلك قال الله تعالى : * ( إِنَّ الله اشْتَرى من الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ) * « 1 » وذلك بالجهاد ، وهو مسامحة بالمهجة شوقا إلى لقاء الله عز وجل ، والمسامحة بالمال أهون . ولما فهم هذا المعنى في بذل الأموال انقسم الناس إلى ثلاثة أقسام : قسم صدّقوا التوحيد ووفوا بعهدهم ونزلوا عن جميع أموالهم فلم يدخروا دينارا ولا درهما ، فأبوا أن يتعرضوا لوجوب الزكاة عليهم حتى قيل لبعضهم : كم يجب من الزكاة في مائتي درهم ؟ فقال : أما على العوام بحكم الشرع فخمسة دراهم ، وأما نحن فيجب علينا بذل الجميع [ 1 ] ولهذا تصدق أبو بكر رضي الله عنه بجميع ماله ، وعمر رضي الله عنه بشطر ماله ، فقال صلَّى الله عليه وسلَّم : ما أبقيت لأهلك ؟ فقال مثله . وقال لأبي بكر رضي الله عنه : ما أبقيت لأهلك ؟ قال الله ورسوله ، فقال صلَّى الله عليه وسلَّم : « بينكما ما بين كلمتيكما » فالصديق وفّى بتمام الصدق فلم يمسك سوى المحبوب عنده وهو الله ورسوله

--> « 1 » التوبة : 111